محمد بن جرير الطبري
48
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بِعِصَمِ الْكَوافِرِ قال : الزهري : فطلق عمر امرأتين كانتا له بمكة النكاح . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ النكاح قال : أصحاب محمد أمروا بطلاق نسائهم كوافر بمكة ، قعدن مع الكفار . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ مشركات العرب اللاتي يأبين الإسلام أمر أن يخلى سبيلهن النكاح . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ إذا كفرت المرأة فلا تمسكوها ، خلوها ، وقعت الفرقة بينها وبين زوجها حين كفرت . واختلفت القراء في قراءة قوله وَلا تُمْسِكُوا فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والمدينة والكوفة والشام ، وَلا تُمْسِكُوا بتخفيف السين . وقرأ ذلك أبو عمرو " ولا تمسكوا " بتشديدها ، وذكر أنها قراءة الحسن ، واعتبر من قرأ ذلك بالتخفيف ، وإمساك بمعروف . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان مشهورتان ، محكي عن العرب أمسكت به ومسكت ، وتمسكت به . وقوله : وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا يقول تعالى ذكره لأزواج اللواتي لحقن من المؤمنين من دار الإسلام بالمشركين إلى مكة من كفار قريش : النكاح واسألوا أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم فلحقن بالمشركين ما أنفقتم على أزواجكم اللواتي لحقن بهم من الصداق من تزوجهن منهم ، وليسئلكم المشركون منهم الذين لحق بكم أزواجهم مؤمنات إذا تزوجن فيكم من تزوجها منكم ما أنفقوا عليهن من الصداق . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أقر المؤمنون بحكم الله ، وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم ، النكاح وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا النكاح قال : ما ذهب من أزواج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكفار ، فليعطهم الكفار صدقاتهن ، وليمسكوهن ، وما ذهب من أزواج الكفار إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فمثل ذلك في صلح كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين قريش . وقوله : ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ النكاح يقول تعالى ذكره : هذا الحكم الذي حكمت بينكم من أمركم أيها المؤمنون بمسألة المشركين ، وما أنفقتم على أزواجكم اللاتي لحقن بهم وأمرهم بمسألتكم مثل ذلك في أزواجهن اللاتي لحقن بكم ، حكم الله بينكم فلا تعتدوه ، فإنه الحق الذي لا يسمع غيره ، فانتهى المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر إلى أمر الله وحكمه ، وامتنع المشركون منه وطالبوا الوفاء بالشروط التي كانوا شارطوها بينهم في ذلك الصلح ، وبذلك جاءت الآثار والأخبار عن أهل السير وغيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : أما المؤمنون فأقروا بحكم الله ، وأما المشركون فأبوا أن يقروا ، فأنزل الله عزو وجل : وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، قال : قال الله : ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ، ورد الرجال ، وسأل الذي أمره الله أن يسأل من صدقات النساء من حبسوا منهن ، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا ، النكاح ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ، كما رد الرجال ، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية